الشوكاني

14

فتح القدير

وهذه اللفظة أي تلقونه على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق ، وهو الإسراع بالشيء بعد الشئ كعدد في إثر عدد ، وكلام في إثر كلام ، وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر " تألقونه " بفتح التاء وهمزة ساكنة ولام مكسورة وقاف مضمومة من الألق وهو الكذب ، وقرأ يعقوب " تيلقونه " بكسر التاء من فوق بعدها ياء تحتية ساكنة ولام مفتوحة وقاف مضمومة ، وهو مضارع ولق بكسر اللام ، ومعنى ( وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) أن قولهم هذا مختص بالأفواه من غير أن يكون واقعا في الخارج معتقدا في القلوب ، وقيل إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله " يطير بجناحيه " ونحوه ، والضمير في تحسبونه راجع إلى الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له ( وتحسبونه هينا ) أي شيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم ، وجملة ( وهو عند الله عظيم ) في محل نصب على الحال : أي عظيم ذنبه وعقابه ( ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ) هذا عتاب لجميع المؤمنين : أي هلا إذ سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيبا للخائضين فيه المفترين له ما ينبغي لنا ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه ، ومعنى قوله ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) التعجب من أولئك الذين جاءوا بالإفك ، وأصله التنزيه لله سبحانه ، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه ، والبهتان هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه : أي هذا كذب عظيم لكونه قيل في أم المؤمنين رضي الله عنها ، وصدوره مستحيل شرعا من مثلها . ثم وعظ سبحانه الذين خاضوا في الإفك فقال ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ) أي ينصحكم الله ، أو يحرم عليكم ، أو ينهاكم كراهة أن تعودوا ، أو من أن تعودوا ، أو في أن تعودوا لمثل هذا القذف مدة حياتكم ( إن كنتم مؤمنين ) فإن الإيمان يقتضي عدم الوقوع في مثله ما دمتم ، وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ ( ويبين الله لكم الآيات ) في الأمر والنهى لتعملوا بذلك وتتأدبوا بآداب الله وتنزجروا عن الوقوع في محارمه ( والله عليم ) بما تبدونه وتخفونه ( حكيم ) في تدبيراته لخلقه . ثم هدد سبحانه القاذفين ومن أراد أن يتسامع الناس بعيوب المؤمنين وذنوبهم فقال ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) أي يحبون أن تفشو الفاحشة وتنتشر ، ومن قولهم شاع الشئ يشيع شيوعا وشيعا وشيعانا : إذا ظهر وانتشر ، والمراد بالذين آمنوا المحصنون العفيفون ، أو كل من اتصف بصفة الإيمان ، والفاحشة هي فاحشة الزنا أو القول السيء ( لهم عذاب أليم في الدنيا ) بإقامة الحد عليهم ( والآخرة ) بعذاب النار ( والله يعلم ) جميع المعلومات ( وأنتم لا تعلمون ) إلا ما علمكم به وكشفه لكم ومن جملة ما يعلمه الله عظم ذنب القذف ، وعقوبة فاعله ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) هو تكرير لما تقدم تذكيرا للمنة منه سبحانه على عبادة بترك المعاجلة لهم ( وأن الله رؤوف رحيم ) ومن رأفته بعباده لا يعاجلهم بذنوبهم ، ومن رحمته لهم أن يتقدم إليهم بمثل هذا الإعذار والإنذار وجملة : وأن الله رؤوف رحيم معطوفة على فضل الله ، وجواب لولا محذوف لدلالة ما قبله عليه : أي لعاجلكم بالعقوبة ( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ) الخطوات جمع خطوة ، وهي ما بين القدمين ، والخطوة بالفتح المصدر : أي لا تتبعوا مسالك الشيطان ومذاهبه ولا تسلكوا طرائقه التي يدعوكم إليها . قرأ الجمهور " خطوات " بضم الخاء والطاء ، وقرأ عاصم والأعمش بضم الخاء وإسكان الطاء ( ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ) قيل جزاء الشرط محذوف أقيم مقامه ما هو علة له ، كأنه قيل : فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأن دأبه أن يستمر آمرا لغيره بهما ، والفحشاء ما أفرط قبحه ، والمنكر ما ينكره الشرع ، وضمير إنه للشيطان ، وقيل للشأن ، والأولى أن يكون عائدا إلى من يتبع خطوات الشيطان ، لأن من اتبع الشيطان صار مقتديا به في الأمر بالفحشاء والمنكر ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) قد تقدم بيانه وجواب لولا هو قوله ( ما زكى منكم من أحد أبدا ) أي لولا التفضل والرحمة من الله ما طهر أحد منكم نفسه من دنسها ما دام حيا . قرأ الجمهور " زكى " بالتخفيف ،